معالجة غازات المخلفات في المختبرات: مسار للوقاية الدقيقة والتشغيل الأخضر

وقت الإصدار:

2026-01-16 14:10

تُعدّ المختبرات المكان الرئيسي للبحث العلمي والفحوصات، وتنشأ خلال عمليات التجارب أنواعٌ متعددة من الغازات العادمة، تشمل المركبات العضوية المتطايرة، والغازات الحمضية والقلوية، والملوثات المحتوية على الغبار، وغيرها. وتتسم هذه الغازات بتعقيدها الشديد، وبطبيعة انبعاثها المتقطعة وتقلبات تركيزاتها الكبيرة؛ فإذا أُطلقت دون معالجة معيارية، فإن ذلك لا يضرّ بصحة العاملين في المختبر فحسب، بل يؤثر سلبًا أيضًا على البيئة الإيكولوجية المحيطة. ومع استمرار تحسين التشريعات البيئية، تزداد أهمية الامتثال والمنهجية العلمية في معالجة غازات المختبرات العادمة.

تتسم مخاطر غازات العوادم في المختبرات بتنوعها. فمركبات البنزين والكحولات والكيتونات الموجودة في الغازات العضوية، قد تؤثر على الجهاز التنفسي لدى الإنسان عند التعرض لها لفترات طويلة؛ كما أن الغازات الحمضية مثل كلوريد الهيدروجين وأكاسيد النيتروجين تُشكّل ضبابًا حمضيًا يُ corrode المعدات ويُلوّث التربة والمياه؛ وقد تتسبب بعض هذه الغازات أيضًا في انبعاث روائح كريهة تزعج السكان، بل وتنطوي على مخاطر قابلية الاشتعال والانفجار. لذلك، يعد إنشاء نظام مناسب لمعالجة غازات العوادم ضرورةً أساسية لضمان التشغيل الأخضر للمختبرات.

تتطلب تقنيات المعالجة السائدة حالياً اختياراً دقيقاً يراعي خصائص غازات العوادم؛ ويمكن تصنيف التقنيات الشائعة إلى أربع فئات رئيسية: الطرق الفيزيائية، والطرق الكيميائية، والطرق البيولوجية، بالإضافة إلى العمليات المدمجة. ومن بين الطرق الفيزيائية، تتمتع طريقة الامتصاص بالكربون النشط بنطاق واسع من التطبيقات؛ إذ تستطيع، بفضل بنيتها المسامية، امتصاص غازات عضوية ذات تركيزات منخفضة، كما أن معداتها بسيطة وسهلة الصيانة والتشغيل، غير أن ذلك يستلزم استبدال المواد الماصة بصورة دورية ومعالجة الفحم المستهلك وفقاً لإجراءات محددة. أما طريقة الامتصاص بالرش المائي فتناسب الغازات غير العضوية الحمضية أو القلوية شديدة الذوبانية في الماء، حيث يتم نقل الملوثات عبر التلامس بين الغاز والسائل، إلا أن هذه الطريقة تُنتج مياهًا مبتذلة تتطلب معالجة ثانوية.

تُظهر الطرق الكيميائية كفاءةً متميزة في معالجة ملوثات محددة؛ إذ تُستخدم أبراج الغسل الكيميائي الرطب لإزالة الغازات الحمضية والقلوية عبر تفاعلات التعادل أو أكسدة‑اختزال، وهي وحدة معالجة أولية شائعة الاستخدام في المختبرات. أما الامتصاص الكيميائي الجاف فيعتمد على وسط مُشبَّع بمواد كاشفة، ويُستخدَم بشكلٍ مُخصَّص لإزالة الغازات المختزلة، مع عدم إنتاج مياه نفايات، إلا أن هذا الوسط يمتلك عمرًا افتراضيًا محدودًا. فيما تُناسب طرق الأكسدة الحرارية والحفازة غازات النفايات العضوية ذات التركيزات المتوسطة إلى العالية، إذ تُمكن من تحليل الملوثات إلى مواد غير ضارة، وهي مناسبة للاستخدام في تجمعات المختبرات الكبيرة.

توفر الطرق البيولوجية والتقنيات الجديدة مسارات جديدة لمعالجة غازات العوادم منخفضة التركيز. تستخدم المصفاة الحيوية الكائنات الدقيقة لتحليل وتحلل الغازات العضوية، وتتميز بتكاليف تشغيل منخفضة وصديقة للبيئة، إلا أن فترة بدء التشغيل طويلة وتتطلب شروطًا صارمة لدخول الهواء. أما البلازما ذات درجة الحرارة المنخفضة وتقنية الأكسدة بالتحفيز الضوئي فتتميزان بسرعة التشغيل والإيقاف وصغر المساحة التي تستهلكانها، ويمكنهما معالجة الغازات ذات الروائح الصعبة التحلل، وغالبًا ما تُستخدم كوحدات معالجة نهائية في العمليات المتكاملة، مع ضرورة إرفاقها بجهاز لتحلل الأوزون لتفادي تأثير النواتج الثانوية.

في التطبيق العملي، يصعب على تقنية واحدة التعامل مع الغازات العادمة المعقدة، ولذلك باتت العمليات المتكاملة الخيار السائد. وتتمثل الدورة النموذجية في «الجمع المُصنَّف + المعالجة الأولية + المعالجة الأساسية + المعالجة اللاحقة»؛ فعلى سبيل المثال، تلجأ المختبرات الكيميائية الشاملة عادةً إلى عملية ثنائية تتضمن «التعادل بالبرج الرذاذي لغازات الأحماض والقلويات + امتصاص الغازات العضوية بواسطة الكربون المنشط»، بما يضمن كفاءة المعالجة ويحقق التوازن بين الفعالية الاقتصادية والتكاليف. وفي الوقت نفسه، ينبغي الالتزام بمبادئ أولوية الامتثال للمعايير، والملاءمة، والاقتصادية، والموثوقية، مع مراعاة مكوّنات الغازات العادمة وتركيزها وظروف الموقع عند اختيار النظام المناسب.

تُعدّ إدارة الامتثال والتشغيل اليومي ضمانًا أساسيًا لفعالية المعالجة. يتعيّن على المختبرات الالتزام الصارم بالمعايير ذات الصلة الخاصة بالانبعاثات، وإجراء مراقبة دورية لتركيزات انبعاثات الغازات، وتوثيق أعمال صيانة المعدات واستبدال المواد الاستهلاكية. كما ينبغي تصنيف وتخزين ومعالجة النفايات الخطرة الناتجة عن المواد الماصة المستهلكة والوسائط الكيميائية وفقًا للمعايير المحددة. ولا يمكن تحقيق الوقاية الفعّالة من انبعاثات غازات المختبرات ودعم التكامل بين الأنشطة البحثية وحماية البيئة إلا من خلال الدمج المتكامل بين اختيار التقنيات، وتصميم الأنظمة، وإدارة التشغيل والصيانة.

أخبار موصى بها